الشيخ محمد هادي معرفة

12

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

قول أو فعل ، له ظاهر مريب وإن كان يحتمل في واقعه حقّا لا مرية فيه . ومن ثَمَّ فإنّ أهل الزيغ يتّبعون متشابهات الشريعة لغرض تأويلها إلى حيث مطامعهم الفاسدة . وهذا كأكثر آيات الصفات والخليقة والتدبير . والفرق بين المتشابه ، حيث الحاجة إلى التأويل ، والمبهم الذي هو بحاجة إلى التفسير : أنّ المتشابه ، ما أُبهم معناه وعلاه غبارٌ من الإيهام . فهو بحاجة إلى رفع ذاك الإبهام ودفع هذا الإيهام . أمّا المبهم فهو مجرد خفاء المعنى وإبهامه من غير إيهام أو إثارة للشكّ . وإذ كان التفسير هو رفع الإبهام ، فإنّ التّأويل رفع إبهام ودفع إيهام معا . فالتأويل نوع من التفسير ، قد جمع بين الرفع والدفع . وبطبيعة الحال تختلف عوامل التشابه عن عوامل الإبهام . حيث أهمّ عوامل التشابه هو : علوّ المعاني ودقّتها ، وفي قصور الألفاظ عن إفادتها تماما . لأنّها وضعت لمعانٍ هابطة في مستوى العرف العام ، فلم تكن بوسعها الإيفاد بتلك المعاني الشامخة المتعالية عن أفهام العامّة ، إلّا ظواهر شكليّة لا يسبر غورها إلّا الرّاسخون في العلم ! وهناك عوامل اخر ربّما عَرَضت على الآية - في عهد متأخّر - أخرجتها عن الإحكام إلى التشابه ، لتصبح متشابهة بالعرض ، على ما سنذكر . وأمّا عوامل الإبهام المحوجة إلى التفسير ، فتعود إلى جهات أُخرى ، منها : غرابة الكلمة عن المألوف العام ، نظرا لاختصاص استعمالها ببعض القبائل دون بعض ، فجاء القرآن ليوحّد اللغة باستعمال جميع لغات العرب ، من ذلك « صلدا » بمعنى « نقيّا » في لغة هذيل . و « الإملاق » بمعنى « الجوع » في لغة لخم . و « المنسأة » بمعنى « العصا » في لغة حضرموت . و « الودق » بمعنى « المطر » في لغة جرهم . و « بُسّت » بمعنى « تفتّتت » في لغة كندة . وهلمّ جرّا ، الأمر الذي دوّنت لأجله كتب غريب القرآن ، وهي كثيرة . « 1 »

--> ( 1 ) - منها رسالة تتضمّن ما ورد في القرآن من لغات القبائل ، مطبوعة في هامش تفسير الجلالين . نسبها جلال‌الدين إلى أبيالقاسم محمد بن‌عبداللّه . الإتقان ، ج 1 ، ص 7 ، ط 3 .